هناك أخطاء تَاريخيّة تَتلقّفها الأجيال، جيلاً بَعد جيل، وأُمَّة بَعد أُمَّة، دون أن يَفطن إليها أحد، أو يُدركها انتباه، أو حَبلٌ مِن مَسد!
واليوم، سَأكتب عَن قضيّة مُهمَّة، والدّخول فيها يُشبه مَن يُدخل يَده في "جُحر عَقارب أو قَنافذ"، والأمر الذي أَطرحه ليس مِن "مَنتوجات العَرفج"، بل مِن مَنقولاته التي يُؤيّدها وبقوّة -كما يَقولون-!
والأمر ببَساطة أنَّ قوله تَعالى: "اقرأ"، ليس له علاقة بالقراءة، بَل المُراد –والله أعلم– مَعنى آخر لا يمتّ للقراءة بصِلة!
وهذا الخَطأ "في التَّفسير" دَرج عليه العُلمَاء -مُنذ مِئات السّنين- في العصور المَاضية، ولم يُصحّحه –أو لِنَقُل يُدركه- إلَّا العَالِم المُفكِّر الليبي "الصادق النيهوم"، حيث يَقول في كِتَابه الرَّائِع (إسلام ضَدّ الإسلام/ شَريعة مِن وَرق) ص 21: (ثَمَّة خَطأ لغوي فَاضح ارتَكبه الرّواة، مِن دون أن يَدروا، عَلى عَادة المُزوّرين في كُلِّ العصور. فالوَاقع أنَّ كَلمة "اقرأ"؛ لا تَعني أصلاً فعل القراءة)!
حَسناً.. ما المَعنى المُرَاد بكَلمة "اقرأ" يَا مُفكِّرنا الكَبير؟!
يَقول شيخنا "النيهوم": (إنَّ اقرأ تَعني "أَعْلِن وجَاهِر ونَادِ وبَلِّغ"، ومَن مِنَّا لم يَستخدم في حياته مَقولة: "فُلان يُقرأك السَّلام"، أي يُبلِّغك...)، وخُلاصة القَول التي صَاغها "النيهوم" قوله: (إنَّ الآية لا تَطلب مِن الرَّسول –صلى الله عليه وسلّم- أن يَقرأ، بل تُكلِّفه بإعلان الدَّعوة، التي تَمثَّلت في تَصحيح مَفهوم كَلمة "الرَّب" بالذَّات، ولهذا السَّبب تَكرَّرت هذه الكَلمة نَفسها في الآية التَّالية، مَقرونة باسم التَّفضيل، في قَوله تَعالى: "اقرأ ورَبُّك الأكرَم" وليس الكَريم فَقط)..!
إنَّنا يَجب أن نُعيد التَّفكير في هَذا المَعنى، الذي تُؤكِّده السّياقات والقَرائن، فمِن غير المَقبول أن يُطلَب مِن الرَّسول "الأُمِّي"؛ أن يَقرأ "مِن القراءة"، في بَلد غير ذي زَرع، وغير ذي كُتب وقُرَّاء، كما أنَّ إجابته -صلَّى الله عليه وبَارك- تُشير إلى أنَّ "اقرأ" بمَعنى "بَلِّغ"، بدَليل أنَّه قَال: "مَا أنا بقَارئ"، أي مَا أنا بمُبلِّغ، ولو كَان الفعل "اقرأ" بمَعنى القراءة، لكان الجَواب –في أغلب الظَّن-: ماذا أقرأ..؟! أو لن أقرأ.. أو ما هي القراءة؟!... إلخ هذه الاحتمالات الافتراضيّة!
يا إلهي.. كيف انطلت هذه الغَلطة عَلى أجيالٍ كثيرة، وانتشرت، بحيث نَجد قَنوات وصُحف تَحمل اسم "اقرأ"، ومَقولات كثيرة تَدل كُلّها عَلى أنَّ "أُمّة اقرأ، أُمَّة لا تَقرأ"..؟!
إنَّ المَقال –هنا- يَرغب في فَتح البَاب لنقاش هذه "المَسألة اللغويّة والثَّقافيّة"؛ مَحبةً في الوصول إلى مَناطق الصَّواب، وأقاليم الفَهم السَّليم لكِتَاب الله، الذي "لا تَنقضي عَجائبه"، كما يَقول عمّنا الوَاد/ "أبوعثمان الجَاحظ"!
حَسناً.. مَاذا تَرَك القَلم..؟!
تَرَك القلم مساحة بيضاء للنّقاش، ومِن هَذا المنبر، أُطالب سَماحة المُفتي اللغوي الإمام/ "عبدالعزيز الحربي"؛ بتَحرير هَذه المسألة، ليتبيّن الخيط الأبيض في مَعنى "اقرأ" مِن الخيط الأسود.. إنَّني أترُك المساحة بيضاء، لمَن أراد أن يَتدبَّر أو يَنشر، أو أراد تَعقيباً واستدراكاً، وشَرحاً وتَفسيراً!.